محمد أبو زهرة

3453

زهرة التفاسير

والشرط الثاني - أن يدخل غير مستبق لنفسه ، كما كان يفعل المجاهدون الأولون أمثال حمزة وعلىّ والزبير الذين يدخلون المعركة ، فلا يدرون أيقعون على الموت ، أم يقع الموت عليهم ، ولذا قال تعالى : فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ أي فإذا دخلوا في القتال رضوا بمرارته ، وإرادة النصر ، وأن تكون كلمة اللّه تعالى هي العليا ، فيقتلون الكفار في سبيل اللّه ، ويقتلون هم في هذا ، ولا يحسبون أنهم يخسرون في الحالين ، فإن قتلوهم فذلك سبيل النصر ، وإن قتلوا سارعوا إلى قبض الثمن في الصفقة التي عقدوها مع ربهم . وفي هذا النص الذي ذكره القرآن الكريم أمران نتكلم فيهما : أولهما - أن هذا النص يشير إلى أن الفرار لا يجوز ، لأنه ضنّ بتسليم المبيع وهو النفس ، ولا يضن مؤمن بتقديم ما عاهد اللّه تعالى عليه ، وقد قال تعالى في آية أخرى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ( 15 ) [ الأنفال ] . الثاني أن هنا قراءتين - أولاهما - فيقتلون بالبناء للفاعل ، والثانية بالبناء للمفعول ، والقراءة الثانية العكس « 1 » ، وكل قراءة قرآن ، وبمجموع القراءتين تكون الآية داعية إلى ألا يفرقوا بين أن يقتلوا أو يقتلوا ، فإن الملكية التي أثبتوها للّه تعالى تسوغ ذلك ، وتوحيه كما نوهنا . وقد قدموا أنفسهم للّه تعالى ، وأكد اللّه تعالى أن الثمن الذي قدره ، وهو مربح ، ويزيد أضعافا مضاعفة على ما أعطوا - آت لا محالة ؛ لأنه وعده الذي وعده ، ولذا قال تعالى : وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا أي وعد اللّه وعدا حقا لا يتخلف ؛ لأن اللّه تعالى لا يخلف الميعاد ، وإذا كنتم قد قدمتم ما عندكم ، فإن اللّه تعالى

--> ( 1 ) ( فيقتلون ويقتلون ) : قراءة حمزة والكسائي ، وخلف . وقرأ الباقون ( فيقتلون ويقتلون ) . غاية الاختصار - ( 976 ) .